التفتازاني

74

شرح العقائد النسفية

الجناية لا يحتمل الإباحة ، ورفع الحرمة أصلا ، فلا يحتمل العفو ورفع الغرامة . وأيضا : الكافر يعتقده كفرا « 1 » حقا ، ولا يطلب له عفوا أو مغفرة ، فلم يكن العفو عنه حكمة . وأيضا : هو اعتقاد الأبد ، فيوجب جزاء الأبد ، وهذا بخلاف سائر الذنوب . ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء « 2 » من الصغائر والكبائر ) مع التوبة أو بدونها ، خلافا للمعتزلة . وفي تقرير الحكم ملاحظة للآية الدالة على ثبوته ، الآية والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . والمعتزلة يخصونها بالصغائر وبالكبائر ، المقرونة بالتوبة . وتمسكوا بوجهين : الأول : الآيات والأحاديث الواردة في وعيد العصاة . والجواب : انها على تقدير عمومها انما تدل على الوقوع دون الوجوب ، وقد كثرت النصوص في العفو ، فيخصص المذنب المغفور من عمومت الوعيد . وزعم بعضهم : ان الخلف في الوعيد ، كرم فيجوز من الله تعالى . والمحققون : على خلافه . كيف ؟ وهو تبديل للقول . وقد قال الله تعالى : « ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ » « 3 » . الثاني : ان المذنب إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه ، كان ذلك تقريرا له على الذنب ، واغراء للغير عليه . وهذا ينافي حكمة ارسال الرسل . والجواب : ان مجرد جواز العفو ، لا يوجب ظن عدم العقاب ، فضلا عن العلم . كيف ؟ والعمومات الواردة في الوعيد المقرونة بغاية من التهديد ، ترجح جانب الوقوع بالنسبة إلى كل واحد . وكفى به زاجرا ( ويجوز العقاب على الصغيرة ) سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا ، لدخولها تحت قوله تعالى : « وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » « 4 » ولقوله تعالى : « لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً

--> ( 1 ) كفرا : خ . ( 2 ) النص يحتمل لمن يشاء توبة . ( 3 ) ق 29 ( 4 ) النساء 116